محمد الريشهري
205
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته . كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا ؛ يدنينا إذا أتيناه ، ويُجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلّمه هيبةً له ؛ فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظِّم أهل الدِّين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه يميل في محرابة ، قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السَّليم ( 1 ) ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا يا ربّنا - يتضرّع إليه - ثمّ يقول للدنيا : إليَّ تغرّرتِ ! إليَّ تشوّفتِ ! هيهات هيهات ، غُرّي غيري ، قد بتتّك ثلاثاً ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير ، آه آه من قلّة الزاد ، وبُعْد السفر ، ووحشة الطريق . فوَكَفَتْ ( 2 ) دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكُمّه وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبو الحسن ( رحمه الله ) ! كيف وَجْدك عليه يا ضرار ؟ قال : وَجْدُ من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقأ ( 3 ) دمعتها ، ولا يسكن حزنها . ثمّ قام فخرج ( 4 ) .
--> ( 1 ) السَّليم : اللديغ . يقال : سَلَمَتْهُ الحيّةُ ؛ أي لَدَغَتْهُ ( لسان العرب : 12 / 292 ) . ( 2 ) وَكَفَ الدمع : إذا تقاطر ( النهاية : 5 / 220 ) . ( 3 ) رقَأ الدمع : سكن وانقطع ( النهاية : 2 / 248 ) . ( 4 ) حلية الأولياء : 1 / 84 ، تاريخ دمشق : 24 / 401 و 402 ، الاستيعاب : 3 / 209 / 1875 ، المحاسن والمساوئ : 46 وفيه " عدي بن حاتم " بدل " ضرار " ، صفة الصفوة : 1 / 133 ، الصواعق المحرقة : 131 ، تذكرة الخواصّ : 118 ، ذخائر العقبى : 178 ، الفصول المهمّة : 127 ، مروج الذهب : 2 / 433 ؛ نهج البلاغة : الحكمة 77 ، خصائص الأئمّة ( عليهم السلام ) : 70 ، كنز الفوائد : 2 / 160 ، عدّة الداعي : 194 ، إرشاد القلوب : 218 ، الفضائل لابن شاذان : 83 ، المناقب لابن شهرآشوب : 2 / 103 ، تنبيه الخواطر : 1 / 79 كلّها نحوه .